محمد بن الطيب الباقلاني

121

إعجاز القرآن

فإن اشتبه عليه البغض ، فهو لاشتباه الطريقين ، وتماثل الصورتين ، كما قد يشتبه شعر أبى تمام بشعر البحتري : في القليل الذي يترك أبو تمام فيه التصنع ، ويقصد فيه التسهل ، ويسلك الطريقة الكتابية ، / ويتوجه في تقريب الألفاظ وترك تعويض المعاني ، ويتفق له مثل بهجة أشعار البحتري وألفاظه . ولا يخفى على أحد يميز هذه الصنعة سبك أبى نواس [ من سبك مسلم ] ( 1 ) ، ولا نسج ابن الرومي من نسج البحتري ، وينبهه ديباجة ( 2 ) شعر البحتري ، وكثرة مائه ، وبديع رونقه ، وبهجة كلامه ، إلا فيما يسترسل فيه ، فيشتبه بشعر ( 3 ) ابن الرومي ، ويحركه ما لشعر ( 4 ) أبى نواس من الحلاوة ، والرقة ، والرشاقة ، والسلاسة ، حتى يفرق بينه وبين شعر مسلم . وكذلك يميز بين شعر الأعشى في التصرف ، وبين شعر امرئ القيس ، وبين شعر النابغة وزهير ، وبين شعر جرير والأخطل ، والبعيث والفرزدق . وكل له منهج معروف ، وطريق مألوف . ولا يخفى عليه في زماننا الفصل بين " رسائل عبد الحميد " وطبقته وبين طبقة من بعده ( 5 ) ، حتى إنه لا يشتبه عليه ما بين " رسائل ابن العميد " وبين رسائل أهل عصره ومن بعده من برع في صنعة الرسائل ، / وتقدم في شأوها ، حتى جمع فيها بين طرق المتقدمين وطريقة المتأخرين ، [ و ] حتى خلص لنفسه طريقة ( 6 ) ، وأنشأ لنفسه منهاجا ، فسلك تارة " طريقة الجاحظ " وتارة طريقة السجع ، وتارة طريقة الأصل ، وبرع في ذلك باقتداره ، وتقدم بحذقه ، ولكنه لا يخفى مع ذلك على أهل الصنعة طريقه من طريق غيره ، وإن كان قد يشتبه البعض ، ويدق القليل ، وتغمض الأطراف ، وتشذ النواحي .

--> ( 1 ) الزيادة من م ( 2 ) ا ، " وتنبهه " م " وشبهه " ( 3 ) م " فيشيه بعفو شعر ( 4 ) م " في الشعر " ( 5 ) سقط ما بين الرقمين من م ( 6 ) م " طريقا "